اسد حيدر

181

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا » كما سنبين ذلك قريبا . وعلى أي حال فإن الاستسلام والتقليد اللذين أدّيا إلى التعصب والانغلاق أثّرا في سير الحركة الفكرية والعلمية لأن التقليد يقوم على الاتباع وبذلك ترك النظر والتعرّف على الدليل . وكيف كان فقد استطاعت المذاهب الأربعة أن تصعد سلّم الرقي وتكتسب قيمتها المعنوية ، لأنها موضع عناية الخلفاء والولاة المتعاقبين بالرغم مما رافقها من خلافات ومنافرات ، وإن عناية السلطة تكسب الشيء لونا من الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي ، فعوامل الترغيب وأداة القوة جعلتها تأخذ بالتوسع شيئا فشيئا ، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء حتى تصبح قادرة على مزاحمة غيرها . ثم كان بعد هذا ما هو أدهى وأمر فإنه في سنة 645 ه - أحضر مدرسو المدرسة المستنصرية إلى دار الوزير ، فطلب منهم ألا يذكروا شيئا من تصانيفهم ، وألا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها ، بل يذكروا كلام المشايخ السابقين تأدبا معهم ، وتبركا بهم ، فأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي بالسمع والطاعة . وقال سراج الدين عبد اللّه الشرمساحي المالكي : ليس لأصحابنا تعليقة ، أما النقط من مسائل الخلاف فمما ارتبه « 1 » . وقال شهاب الدين الزنجاني الشافعي وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني الحنفي : إن المشايخ كانوا رجالا . ونحن رجال . فأوصل الوزير ما أجابوا به إلى المستعصم ، وكان قد تولى الملك بعد أبيه المستنصر فأحضرهم أمامه ، وطلب منهم جميعا أن يلتزموا ذكر كلام المشايخ ويحترموهم ، فأجابوه جميعا بالسمع والطاعة ، ورجع مدرسا الشافعية والحنفية عن اعتدادهما بأنفسهما . وقال المقريزي : فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري ولّى بمصر أربعة قضاة وهم شافعي ، ومالكي ، وحنفي ، وحنبلي ، فاستمر ذلك من سنة 665 ه - حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة ، وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام ، وعودي من تمذهب بغيرها ، وأنكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت

--> ( 1 ) ابن الغوطي الحوادث الجامعة ص 216 .